الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
121
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العظمى في الآخرة ، فذكر ثلاث نعم : اثنتان دنيويتان وهما : نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم ، والثالثة : أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام - وجعل الذي أوتيه بعضا من الملك ومن التأويل لأن ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعارا بأن ذلك في جانب ملك اللّه وفي جانب علمه شيء قليل . وعلى هذا يكون المراد بالملك التصرف العظيم الشبيه بتصرف الملك إذ كان يوسف - عليه السّلام - هو الذي يسير الملك برأيه . ويجوز أن يراد بالملك حقيقته ويكون التبعيض حقيقيا ، أي آتيتني بعض الملك لأن الملك مجموع تصرفات في أمر الرعية ، وكان ليوسف - عليه السّلام - من ذلك الحظّ الأوفر ، وكذلك تأويل الأحاديث . وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى : وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [ يوسف : 6 ] في هذه السورة . و فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نداء محذوف حرف ندائه . والفاطر : الخالق . وتقدم عند قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في سورة الأنعام [ 14 ] . والولي : الناصر ، وتقدم عند قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا في سورة الأنعام . وجملة أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا ، قيل لإثباته ذلك الشيء لولاية الآخرة . فالمعنى : كن وليي في الدنيا والآخرة . وأشار بقوله : تَوَفَّنِي مُسْلِماً إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق ، فإن طلب توفّيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه بالإسلام من الآن ، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة . والمسلم : الذي اتصف بالإسلام ، وهو الدين الكامل ، وهو ما تعبّد اللّه به الأنبياء والرسل - عليهم السّلام - . وقد تقدم عند قوله تعالى : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ في سورة آل عمران [ 102 ] . والإلحاق : حقيقته جعل الشيء لاحقا ، أي مدركا من سبقه في السّير . وأطلق هنا مجازا على المزيد في عداد قوم .